
هناك من هم في خصومة تبدو غير مبررة أو غير موضوعية مع الإسلام والمسلمين ، ويتهمون هذا الدين وأصحابه بالظلامية أوإضطهاد الآخرين ، كما إن هناك من يرون نقصاً في هذا الدين لعدم قدرة دولة الإسلام على المحافظة على رموزها وهم الخلفاء الراشدون الذين تم إغتيالهم ، ويعزون كل هذه الأحداث إلى (سوء أو نقص) في هذا الدين ويعتبرون ذلك سبباً كافياً لإزدرائه ونقده ، من دون أن يفسروا لنا كيف (بقى وإستمر) هذا الدين عبر كل هذه العصور والقـرون وحـال أهلـه بلغت ما بلغت من التخلف والتردي والإنحطاط !!
تاريخ دولة الإسلام وبغض النظرعن تفاصيل هذا التاريخ وصحة أو عدم صحة بعض أحداثه إلا إنه قد تحققت به أحداث كبرى غير قابلة للنقض والإنكار وثبت حدوثها لدى الخصوم قبل المؤيدين ، منها وعلى سبيل المثال لا الحصر :
1 ـ توحُّد جماعات متفرقة ومتناحرة من البدو حول نبيَ قَلَبَ موازين ثقافة المنطقة وموروثها الفكري والثقافي رأساً على عقب خلال 20 عام فقط ، وتمكن هذا التحول من البقاء لغاية اليوم مع تخلف وتراجع دولة الإسلام ولعدة قرون.
2 ـ تَمَكُّنْ هذه الدولة من التمدد والإتساع والمَنَعَة لتصبح أكبر قوة ضاربة في قلب العالم من الصين إلى أطراف أوروبا وبزمن قياسي.
3 ـ قدمت هذه الدولة بحاكميها ومحكوميها بقيادة هذا الدين أمثلة مذهلة في إطلاق طـاقات الإنسان ، وأظهرت بجلاء قيم الإنسانية في النفس البشرية ، وأطلقت العنان لقدرات الإنسان العقلية بشكل غير مسبوق ، وسُجِّلَ بإسمها في التاريخ البشري!
لذلك سأكتب سينارواً مختصراً (تخيلياً) لتاريخ دولة الإسلام بدون الأخطاء التي وقعت والتي تبدو (نواقص بهذا الدين) لدى البعض ، حتى نرى على ماذا ستنتهي بنا هذه الأوضاع ولنبدأ :
عام 12 من الهجرة يتوفى رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام بعد أن يعلم المؤمنين تشريعاً (سماوياً محكماً لكيفية إختيار خليفة المسلمين ونائبه، ويعلمهم كيفية إختيار أهل الحل والعقد والشروط الـــواجبة فيهم وهم المعنيين بتعيين نائب الخليفة، ويحرم عليهم تعيين أي إبن ٍ من أبناء الخليفة أو أقاربهم في أي منصب في الدوله ضماناً لبقاء وسلامة دولة الإسـلام، ويأمرهم بتشكيل كتيبة تسمى إفتراضاً (حُماة الخلافة) ويُلْزِم المسلمين بها، لتتولى حراسة الخليفة ونائبه والولاة 24 ساعه ليل نهار ولا تفارقهم ويجعلهـا جزأً من تشريع دولة المسلمين ويجعل الإخلال بها يعد من (الكبائر) وتركها يُخرِجُ من المِلَّهَ، ليؤسس لنظام صارم وأمين يضمن بقاء الإدارة الإسلامية العليا أبد الدهر) ، ثم يقوم بتعيين الخليفة الصديق ونائبه سيدنا عمر رضي الله عنهما، وكلما توفى خليفة تقدم نائبه لتولي الخلافة ويعين أهل الحل والعقد نائباً له وهكـذا دواليك ، وبناءً على ما تَقَدَّمْ ستختفي الإغتيالات أو تَقِلَّ لأن الحكم والخلافة سيذهبان لنائب الخليفة ولن يتمكن من خَطْفَها أحدٌ من المتربصين إن وجدوا !
إن هذه الدولة التي بلغت أطراف الصين شرقاً وجنوب فرنسا غرباً خلال 90 عام فقط ، ستتمكن (لو لم تقع هذه الأخطاء التي أضعفتها) وطبقاً لمعطيات الواقع من بلوغ كامل الكرة الأرضية خلال 500 سنه (إن لم يكن أقل بكثير)، وستصبح الأرضُ كلها مسلمة لله، وسنأتي نحن بعد ألف عام ـ بزمننا هذا ـ لنجد العالم يسير مضبوطاً كالساعة، فنحن الذين إكتشفنا وعَمَّرْنا الأمريكتين وأستراليا وكل القارات والجزر، ولاة الخليفة يمارسون أعمالهم في بكين وواشنطن كما في حلب وبغداد والأندلس وفي كوبنهاجن وباريس وقُمْ ، عواصم العالم كلها ولايات تتبع عاصمة الخلافة في القاهره أو دمشق ، لم يعد لدينا جيوش حيث لا دولةً سوانا فمن أين يكون لنا أعداء ، ليس لــنا سوى قوات شرطة مدنية لمكافحة اللصوص إن وجدوا، لا فقراء ولا متسـولين فقد إنقرضوا جميعاً قبل 1000 عام ، العدل يسود كل الحواري والأزقة ، كل الحقوق مصانة وكل الواجبات تُؤدَّى .. والجو جميل !
فمن منا اليوم أمام الله أحسنُ عملاً من الآخر .. أعمالنا متساوية وسرائرنا مختلفة ، ظـاهرنا واحدٌ مكشوف ونوايانا عديدة ومطوية ، والموتُ قادم لنا جميعا لا محالة والعمرُ قصير، فـكان لابد من (إختبـار) يجبر الإنسان على إظهار سريرته كي تُقْرَنْ نواياه بأفعاله ، ليتمايز الناس بدرجة إيمانهم وطاعتهم لخالقهم ، فدين الإسلام يحمل مشروع ورساله هي عبادة الله و تعمير هذه الأرض وخلافتة فيها بما شَرَّعْ للعباد وأنزل ، فكان الإختبار هو الإبتلاء (بتلك الأحداث التي وقعت بين المسلمين) منذ فجر الخلافة ِالأول ما زال لليوم هـذا الدين ـ رغم ذلك ـ قائماً بين الأديانِ والأمم ، ليؤكد إن للإبتلاء مهمةٌ أخرى ليس منها زوال هذا الدين !!
قد تساهم هذه الإلتفاتة (الخيالية) لتاريخ دولة الإسلام للتنبه إلى وجود حكمة ما ـ لا أدعي والعياذ بالله معرفتها ـ من وقوع هذه الإحداث ، ولكنها قد تجعل من هذه الأحداث (مكملات) بدلاً من إعتقادنا بأنها (نواقص) في حياة هذا الإنسان التي سيقهرها الموت سريعاً ، لتحاسَبْ على ما فعلته عند إبتلائها بالشر أو بالخير ! على صراط الله المستقيم ، فأخطاء الخلق لا تصنع أقدار رب العالمين وإنما قضاء الله هو الذي يُقّدِّر لهذا الأخطاء ان تقع أو لا تقع ، وهو الذي قَدَّمَ لنا رحمته على عدله ، حين إحتسب الحسنة بعشرة أمثالها، وغير ذلك الكثير الكثير !!
يقول الله تعالى
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾

الكاتب
جمال الساير